أبي منصور الماتريدي

566

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فإن قيل : لم يصر ما ذكرت ؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل : الارتكاب فعلهم ؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك ؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد ، وعلى « 1 » قولهم يكون بالنهي عاصيا مضلّا ، وعندنا قوله : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أي : يخلق فعل الضلال منهم ، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم . وقوله - عزّ وجلّ - : وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . هو ظاهر . وقوله : وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ . قد ذكرنا « 2 » . وقوله : - عزّ وجل - : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها . قال أبو بكر : دلّ قوله : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها أن الآيات التي تقدم ذكرها في أهل الإسلام ؛ لأنه أخبر أنه تزل قدم بعد ثبوتها ، وهو الكفر بعد الإسلام . وعندنا هو ما ذكرنا أن قوله : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بالخوف ، بَعْدَ ثُبُوتِها أي : بعد ما كانوا آمنين ؛ لأنهم بأيمانهم كانوا يأمنون ، وبنقضهم العهود والأيمان يخافون ، فيكون قوله : فَتَزِلَّ قَدَمٌ كناية عن الخوف ، والثبوت كناية عن الأمن ، أي صاروا خائفين بنقضهم العهود والأيمان بعد ما كانوا آمنين [ بها ] « 3 » ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في ب : عليه . ( 2 ) قال الواحدي - رحمه الله تعالى - : « الدخل والدغل : الغش والخيانة » . وقيل : الدخل : ما أدخل في الشيء على فساد ، وقيل : الدخل والدغل : أن يظهر الوفاء به ويبطن الغدر والنقض . وقوله - تعالى - : وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ الآية لما حذّر في الآية الأولى عن نقض العهود والأيمان مطلقا ، قال في هذه الآية وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ وليس المراد منه التّحذير عن نقض مطلق الأيمان ، وإلّا لزم التكرار الخالي عن الفائدة في موضع واحد ، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أو أقدموا عليها . فلهذا قال المفسرون : المراد : نهي الذين بايعوا الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - عن نقض عهده ؛ لأنه قوله : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها لا يليق بنقض عهد قبله ، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم على الإيمان به وبشرائعه . ينظر : اللباب ( 12 / 149 ، 151 ) ، وعن الحسن بنحوه ( 21905 ) ، و ( 21906 ) ، وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 4 / 245 ) عن الحسن وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 3 ) سقط في أ .